اسماعيل بن محمد القونوي

269

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فيسرحون جميعا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس ) أي ليساقون إلى الجنة بلا حساب ولا سؤال وفي التعبير بأنهم يسرحون لطف عظيم ورمز جسيم لأنه هو إخراج المواشي في وقت الغداة إلى المرعى . قوله : ( وقيل كان ناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم ) مرضه لأن التجافي عن المضاجع فيه غير ظاهر إذ في هذا الوقت النوم غير متعارف والمتبادر من التجافي عن المضاجع الارتفاع عنها والبعد بعد النوم فيها كما نبه عليه بقوله ترتفع الخ لا التجافي مطلقا وأيضا التخصيص خلاف الظاهر لا سيما إذا كان من وجهين . قوله : ( في وجوه الخير ) شامل للفرض والواجب والنفل وأشار إلى أن بذل المال في غيرها ليس من الإنفاق المحمود . قوله تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 17 ] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) قوله : ( فَلا تَعْلَمُ ) الفاء فصيحة أي أكرموا إكراما فوق مأمولهم فلا تعلم نفس من النفوس إذ النفس نكرة وقعت في سياق النفي فتعم أشار إليه المصنف . قوله : ( لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ) لا ملك مقرب أي فضلا عن غيرهم لأنهم مع قربهم وعلو منزلتهم عند اللّه تعالى إذا لم يعلموا فعدم علم غيرهم بطريق الأولوية وقدم الملك لتجردهم عن العلائق أحرى بالعلم بذلك ومع ذلك لم يعلموا لا لكونهم أفضل من النبيين لأنه مذهب المعتزلة وشرذمة قليلة من أهل السنة أي لا يعلم نبي من الأنبياء « 1 » ما أخفي لهم فضلا ما أخفي لغيرهم والمعنى في الأول لا يعلم ملك ما أخفي للعاملين المذكورين والتوصيف بالمقرب وبالمرسل لمجرد المدح ولما كان استغراق المفرد أشمل اختير المفرد في الملك والنبي . قوله : ( مما تقر به عيونهم ) كناية عن السرور واشتقاقه من القر فإن دمعة السرور ودمعة الحزن حارة ولذلك قرة العين وسخنها للمحبوب والمكروه أو من القرار فإن العين إذا رأت ما تسر به النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره وعلى التقديرين يلزم السرور فيكون كناية عن السرور وإنما قال قرة أعين لأن المتهجدين قليلون كما صرح به في قوله : فيسرحون جميعا إلى الجنة على صيغة المبني للمفعول في الأساس سرحه في المرعى سرحا أي أرسله وسرح بنفسه سروحا وسرح السيل وسيل سارح يجري جريا سهلا ولعله نظر فيه إلى معنى قوله : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [ الزمر : 73 ] واستعماله ههنا للتعدي أي بسرحهم الملائكة إلى الجنة ولفظ السرح مستعار للسوق شبه السوق إلى رياض الجنة بالسرح في المراعي فاستعمل في المشبه لفظ المشبه به على طريق الاستعارة المصرحة التبعية .

--> ( 1 ) والتعبير بما أخفى دون بما أعددت للإشارة إلى علة عدم العلم وجه الإخفاء لكمال شرافته وفرط نفاسته وتفريع عدم العلم على ما قبله لكونه كناية عن المثوبات النفيسة .